كتاب كتلة الأسرار‏….الوصلة الأمريكية في قضية مذبحة العريش

كتبهاmohamed gazaz ، في 20 مارس 2007 الساعة: 23:33 م

الوصلة الأمريكية في قضية مذبحة العريش
كتاب كتلة الأسرار‏..‏ وثيقة مهمة لملاحقة الجناة

رسالة كنتكي‏:‏عزت إبراهيم

جيمس بامفورد‏

مؤلف الكتاب الذي صدر عام‏2001‏ هو جيمس بامفورد‏,‏ واحد من أهم خبراء الأمن القومي ومؤلفاته من العلامات المهمة في التأريخ لأنشطة الاستخبارات الأمريكية ومن الكتاب المشهود لهم بالدقة والأمانة في الطرح‏,‏ وتظهر مقالاته علي نحو دائم في صحف كبري في مقدمتها نيويورك تايمز‏..‏ وربما يكون توقيت ظهور الكتاب في صيف عام‏2001,‏ ثم حوادث نوفمبر من العام نفسه من الأسباب التي حولت الأنظار عن واحد من الكتب الجادة الموثقة عن سر خطير لم ينل حظا من الإعلام العربي والأمريكي إلا قليلا‏.‏

وننقل من كتلة الأسرار اليوم ـ الذي عرضته عدة صحف عربية وظهرت ترجمات كاملة له ـ ما يشير بالدليل إلي أن هناك عملية تغطية واسعة النطاق علي الجريمتين الأولي قتل الجنود المصريين‏,‏ والثانية قصف البارجة ليبرتي الأمريكية التي كانت موجودة علي بعد‏20‏ كيلومترا من ميناء العريش في الثامن من يونيو عام‏1967.‏

تمكن الخبير بامفورد من الوصول إلي معلومات بالغة الأهمية من وكالة الأمن القومي‏NSA‏ وحصل علي وثائق حساسة يقال إن الكثير منها ربما مازال في طي الكتمان حتي اليوم عن طبيعة عمل الوكالة التي توصف بأنها مستودع الأسرار‏..‏ أهمية الكتاب في تعرية جوانب خفية عن إدارة عمليات من وراء الستار وبعيدا تماما عما يقال للرأي العام الأمريكي‏..‏ كانت الوكالة تستخدم الطرق التقليدية في جمع المعلومات مثل طائرات التجسس والجواسيس الأفراد وسفن التجسس والأخيرة هي مربط الفرس في الانتقال إلي الحديث عن العلاقة بين قضية مذبحة الأسري المصريين علي يد القوات الإسرائيلية في العريش واستهداف السفينة أو البارجة الأمريكية ليبرتي في‏8‏ يونيو‏1967.‏

يؤكد الكتاب أن السبب الحقيقي لإقدام إسرائيل علي مهاجمة البارجة التي كانت ترفع العلم الأمريكي وتعمل تحت مسمي يدخل في نطاق ممارسة أنشطة بحثية‏,‏ وهو أسلوب تتبعه وكالة الأمن القومي الأمريكي للتغطية علي حقيقة المهام التي تقوم بها قطع التجسس البحرية‏,‏ ومحاولة تصفية أكثر من‏180‏ ضابطا وجنديا من طاقمها‏,‏ هو التقاط ليبرتي تسجيلات صوتية واضحة عن قيام القوات الإسرائيلية بارتكاب عملية إبادة جماعية بحق جنود مصريين سلموا أنفسهم وتخلوا عن أسلحتهم بعد أن داهمتهم القوات المعتدية في معارك سيناء‏.‏

يقول الكتاب إن إسرائيل راقبت السفينة الأمريكية لمدة ساعات قبل أن تنقض النيران الإسرائيلية عليها وتقتل‏34‏ أمريكيا وتصيب العشرات وتغرق جميع قوارب النجاة‏,‏ وفي الوقت الذي أقرت إسرائيل فيما بعد بالخطأ الكبير‏,‏ فإن الولايات المتحدة تراجعت عن التحقيق الرسمي في الأمر‏.‏

ويبني بامفورد قضيته علي أساس أن الإسرائيليين كانوا علي دراية تامة بأنهم يهاجمون سفينة تجسس أمريكية‏,‏ والهجوم كان الهدف منه طمس الأدلة التي جمعتها السفينة عن الفظائع والمذابح التي يجري ارتكابها علي أرض سيناء علي بعد‏20‏ كيلو متر من السفينة وتحديدا في مدينة العريش‏,‏ حيث كان الجيش الإسرائيلي يقوم بتصفية المئات من الجنود والمدنيين المصريين المقيدين والعزل‏..‏ ويقول المؤلف إن البنتاجون فرض حظرا كاملا علي أنباء الهجوم وهدد أيا من طاقم السفينة الأحياء بالعقاب لو تحدثوا في الأمر‏,‏ ويشير إلي أن الرئيس جونسون أعرب عن عدم اكتراثه‏,‏ ويقول‏:‏ لم يكترث بغرق السفينة من عدمه‏..‏ لم يكن لدية نية لإحراج حلفائه‏.‏

قدم الخبير الشهير شهادات حية للناخبين من الكارثة تؤكد أن إسرائيل هاجمت ليبرتي عن عمد‏,‏ وأن الحادث لم يقع بطريق الخطأ‏.‏

وننقل اليوم عن مجلة المشاهد السياسي ترجمة دقيقة‏,‏ مع بعض التصرف‏,‏ سبق أن نشرتها في عام‏2001‏ للجزء الخاص بالسفينة ليبرتي وحقيقة مذابح العريش التي أكدها الفيلم الوثائقي للتليفزيون الإسرائيلي قبل أيام‏:‏

خفف الكوماندر وليام ماكجوناكل سرعة البارجة البحرية ليبرتي قبل دخولها إلي قناة السويس في أواخر شهر مايو‏1967‏ في خضم أجواء إعلامية تتحدث عن إمكانية نشوب حرب في الشرق الأوسط بين إسرائيل والدول العربية‏,‏ خصوصا مصر بقيادة الرئيس جمال عبدالناصر‏.‏ وكانت مصر قد طردت قوات السلام التابعة للأمم المتحدة من أراضيها‏,‏ وحشدت إسرائيل دباباتها علي الحدود المصرية ـ الإسرائيلية في صحراء سيناء‏,‏ فيما أعلنت مصر التعبئة العامة‏.‏ وأغلق الرئيس عبدالناصر مضيق تيران‏,‏ وبالتالي خليج العقبة مانعا السفن الإسرائيلية من المرور والوصول إلي ميناء إيلات الإسرائيلي‏.‏ واعتبر الإسرائيليون هذه الخطوات اعتداء وعمل عنف ضد دولتهم‏.‏

ورغبت وكالة الأمن القومي الأمريكية بجمع المعلومات عن الموضوع عبر أجهزتها التكنولوجية المتطورة‏,‏ ولعل هذا السبب دفعها إلي إرسال السفينة ليبرتي إلي قناة السويس مع العلم أن إسرائيل كانت تدعي أن مصر ستشن هجوما عليها‏.‏

كتاب كتلة من الأسرار لمؤلفه جيمس بامفورد أكد أن إسرائيل هي التي كانت تحضر لمثل هذا الهجوم‏,‏ واستند إلي قول لرئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجين في عام‏1982.‏ ويعتبر بامفورد أن الولايات المتحدة كادت ترتكب خطأ كبيرا لو أطلقت نيرانها علي مصر والدول العربية‏,‏ ظنا منها أن النار قد أطلقت علي السفينة ليبرتي من الجهة العربية‏,‏ وكان الاتحاد السوفيتي سيضطر إلي الرد علي هذه النيران‏,‏ مما كان سيؤدي إلي اشتباك ميداني أمريكي ـ سوفيتي‏.‏

ورغب الأمريكيون في معرفة عدد أفراد القوات الحربية السوفيتية علي الأرض المصرية ونوعية الأسلحة التي كانت بحوزتهم‏,‏ واعتبرت المراقبة عبر السفينة ليبرتي الوسيلة الأفضل لجمع مثل هذه المعلومات‏.‏ وفي‏5‏ يونيو‏1967(‏ في الساعة السابعة وخمس وأربعين دقيقة صباحا‏)‏ شنت إسرائيل هجومها الجوي علي المطارات المصرية ودمرت خلال‏80‏ دقيقة الجزء الأكبر من سلاح الجو المصري‏,‏ وتحركت أيضا ميدانيا بحيث حركت دباباتها من صحراء سيناء باتجاه قناة السويس‏.‏ وشوشت الحقيقة إعلاميا بقولها إن مصر هي التي شنت الهجوم علي إسرائيل‏,‏ وإن الأخيرة كانت تدافع عن نفسها‏.‏ وأبلغ والت روستو‏,‏ مستشار الأمن القومي الأمريكي‏,‏ النبأ مشوشا علي غير حقيقته‏,‏ وطبعا أبلغه الرئيس ليندون جونسون كما سمعه‏.‏

وتلقي جونسون رسالة من رئيس الوزراء السوفيتي اليكسي كوسيجين تشير إلي أن واجب كل الدول العظمي وقف الحرب وطالبه بممارسة ضغط علي إسرائيل لوقف هجومها‏,‏ واتصل كوسيجين هاتفيا بالرئيس جونسون بشأن الموضوع نفسه‏,‏ وقال الأخير إن الولايات المتحدة لا ترغب في التدخل في الأزمة‏.‏

وكانت طائرة تجسس أمريكية من نوع‏(‏ سي‏130)‏ تحلق عاليا في أجواء شرق البحر المتوسط وتحاول جمع المعلومات عن الوضع الميداني لوكالة الأمن القومي‏,‏ وتحط في مطار أثينا حاملة تفاصيل الساعات الأولي للحرب‏..‏ ونقلت الأشرطة المصورة من الطائرة إلي مكان تظهير الأفلام التابع لوكالة الأمن القومي المسمي‏(‏ يو إس إيه‏120‏ جي‏)..‏ ودعي اختصاصيون في الترجمة من العبرية لإعطاء صورة كاملة عن فحوي الأشرطة الكلامي‏,‏ خصوصا أن معظمه كان بالعبرية‏.‏

وانطلقت فيما بعد طائرة تجسس أخري من نوع‏(‏ إيه سي‏121)‏ غطت عمليات المراقبة فيها شواطئ قناة السويس المحاذية لإسرائيل ومصر‏.‏ وكانت تحلق علي ارتفاع‏12‏ ألفا إلي‏18‏ ألف قدم‏.‏ وضم طاقم الملاحين علي هذه الطائرة الضابط البحري مارفن نويكي الذي كان ضليعا في اللغتين العبرية والروسية‏,‏ بالإضافة إلي لغته الإنجليزية‏.‏

وقد تحدث هذا الضابط إلي مؤلف الكتاب بامفورد‏,‏ وأكد له خطورة المهمة في تلك الليلة‏,‏ إذ كان يمكن لأي من الجانبين إسقاط الطائرة لو ظهرت علي الرادار‏.‏ وكان بإمكان الطائرة الأمريكية التقاط المحادثات بين الطيارين الإسرائيليين خلال قيادتهم لطائراتهم‏.‏ والأمر نفسه انطبق علي محادثات الطيارين المصريين‏.‏ ومن وقت لآخر كانت طائرة الـ‏(‏ إيه سي‏121)‏ تأتي لتدعم طائرة الـ‏(‏ سي‏130).‏ وتخفف الضغط عنها‏.‏ وفي المياه‏,‏ كانت السفينة ليبرتي تكمل جولتها البحرية باتجاه المناطق الساخنة‏.‏ وبما أنها كانت تقوم بمهمة تجسسية فقد سمحت لها قيادتها الأمريكية بالاقتراب من الشواطئ خلافا لكل السفن الأمريكية الأخري التي كانت تجول في المنطقة‏(‏ لبنان‏,‏ سوريا‏,‏ إسرائيل ومصر‏).‏ كما توجهت‏20‏ سفينة حربية سوفيتية ونحو تسع غواصات إلي المنطقة‏.‏ وعندما اقتربت ليبرتي لتصبح علي بعد‏12‏ ميلا فقط من صحراء سيناء‏,‏ قلق بعض المسئولين في وكالة الأمن القومي وطالبوا بانسحابها فورا‏.‏ وكان الخطر عليها آتيا من الجهتين المصرية والإسرائيلية‏,‏ إذ أن المصريين اعتقدوا أنها تساعد الإسرائيليين‏,‏ بينما أدرك الإسرائيليون مهمتها التجسسية وتأثيرها السلبي علي
خططهم‏.‏ وابتعدت ليبرتي لتصبح علي بعد‏20‏ ميلا من الشاطئ‏.‏ في صباح الثامن من يونيو‏,‏ وبعد أن فشلت قيادة الأمن القومي الأمريكي في إيصال إنذاراتها إلي ليبرتي مرت ليبرتي علي مقربة من مدينة العريش الصحراوية المصرية في ظل مراقبة من الطائرات الحربية الإسرائيلية لها‏.‏

وقال مراقب إسرائيلي في إحدي هذه الطائرات‏:‏ إن باستطاعتنا قراءة الحروب المكتوبة علي السفينة‏,‏ وهي جي تي ار ـ‏5‏ وهو غطاء يستعمل لسفن التجسس التابعة لوكالة الأمن القومي الأمريكية‏.‏ وبعد تجاوزها مدينة العريش‏,‏ توجهت ليبرتي نحو قطاع غزة‏.‏ وفي الثامنة والنصف صباحا‏,‏ ارتدت فجأة إلي الوراء بعد انعطافها لـ‏180‏ درجة‏,‏ وبعدها تأكدت من بلوغها هدفها‏.‏ واتصل الكوماندر ماكجوناكل بمسئول وكالة الأمن القومي سائلا عن إمكان المكوث بعيدا عن الشاطئ‏,‏ فقال له الأخير إن ذلك يؤثر سلبا علي التقاط المعلومات‏.‏ وفي ذلك الحين كانت الطائرات الحربية الإسرائيلية تحوم حول السفينة‏,‏ وكانت الطائرات الأمريكية التجسسية تراقبها من فوق‏.‏

وفجأة دخلت ليبرتي إلي منطقة قريبة من منارة العريش‏,‏ حيث كانت ترتكب فيها القوات الإسرائيلية مذبحة‏,‏ ففضلا عن ضربها الطائرات والمطارات‏,‏ كانت دباباتها تمعن في قتل المشاة المصريين المستسلمين‏.‏ وقد قتل ما يوازي‏10‏ آلاف مصري في مقابل‏275‏ إسرائيليا‏.‏ كما ذبحت القوات الإسرائيلية عسكريين هنديين‏(‏ اثنين‏)‏ تابعين لقوات الأمم المتحدة وقتلت عسكريين هنودا آخرين أتوا لنجدتهم‏.‏ ثم حطمت الشاحنة التي كانت تقلهم وقتلت معظم ركابها‏.‏

ولدي مرور ليبرتي في منطقة العريش كان الإسرائيليون يرتكبون هذه المجازر ضد المعتقلين العسكريين المصريين‏,‏ فقد وجدوا صعوبة في احتجازهم في سجون‏,‏ فاختاروا الطريقة الأسهل وقتلوهم كمجموعات بعد جمعهم حول مسجد العريش وأرغموا رفاقهم علي دفنهم‏.‏ وقد أبلغ أحد الذين قاموا بعملية الدفن‏(‏ يدعي عبدالسلام موسي‏)‏ حقيقة هذا الأمر للمؤلف‏.‏

وأكد الصحفي الإسرائيلي جابي برون أنه رأي‏150‏ أسيرا مصريا يقتلون وهم يضعون أيدهم وراء رءوسهم في منطقة العريش يوم‏8‏ يونيو‏1967,‏ كما أشار المؤرخ الإسرائيلي أرييه يتزحاكي إلي أن عددا من الجنود الإسرائيليين أبلغوه بأنهم ارتكبوا مثل هذه الجرائم في صحراء سيناء ومنطقة العريش‏.‏

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي أرييل شارون موجودا في جنوب منطقة العريش لدي حدوث هذه المجازر‏,‏ وقد رفض أن يعلق لدي سؤاله فيما إذا كان قد عاقب جنوده الذين شاركوا في هذه الجريمة أم لا‏!‏

ويؤكد يتزحاكي أن قيادة الجيش الإسرائيلي برمتها علمت بالمجازر التي ارتكبت في العريش وسيناء في يونيو‏1967‏ وبينهم موشيه دايان وإسحق رابين‏,‏ ولم يتخذ أحدهم أي عقوبات بحق المذنبين بل علي العكس حاولوا التستر علي الأمر ومنعوا صدور تقرير له في عام‏1968‏ حول الموضوع‏.‏

ويقول المؤلف‏:‏ دخلت سفينة يو‏.‏ إس‏.‏ إس‏.‏ ليبرتي المزودة بأجهزة تجسس وتنصت تبلغ قيمتها‏10,2‏ مليون دولار إلي بحر الأكاذيب والخداع والمذابح في منطقة العريش‏.‏ وفي الحادية عشرة صباحا أدرك المسئولون الإسرائيليون وجود ماكينة تجسس ضخمة تراقب تجاوزاتهم ومذابحهم‏,‏ وأدركوا ذلك جوا وبحرا وبرا‏,‏ وكانوا واعين تماما بأنها سفينة أمريكية‏,‏ لأن الحروف السابق الإشارة إليها واسم السفينة كانت ظاهرة عليها‏..‏ ومع ذلك قصفوها وأغرقوها‏.‏

ويروي الكتاب بالتفصيل عملية القصف الإسرائيلي المتعمد‏,‏ ويؤكد أكثر من مرة أن ليبرتي كانت علي مقربة من المنطقة التي ارتكب فيها الجيش الإسرائيلي مجازره بحق الجنود المصريين المستسلمين وجنود الأمم المتحدة الهنود‏,‏ كما يؤكد أن المراقبة الإسرائيلية استمرت ساعات طويلة ولابد أن تكون قد تأكدت أن السفينة أمريكية‏,‏ حتي إنها التقطت صورا واضحة لها‏.‏ ومع ذلك‏,‏ اتخذ القرار الإسرائيلي بضربها‏.‏ وفي الساعة الثانية عشرة وخمس دقائق‏,‏ انطلقت ثلاثة قوارب حربية إسرائيلية من ميناء أشدود باتجاه ليبرتي ورافقتها طائرات حربية إسرائيلية مجهزة بالقنابل والصواريخ والنابالم‏.‏

وفي الساعة الواحدة وإحدي وأربعين دقيقة‏,‏ شوهدت ليبرتي‏.‏ وفجأة شعر الكوماندر ماكجوناكل بأن السفينة ستقصف‏,‏ وصرح لمساعده الملازم باينتر قائلا‏:‏ أعتقد أنهم سيهاجمون‏.‏ وبعد ذلك بدأت رشقات الرصاص والقذائف تتوالي من البحر ويرافقها القصف من الجو‏,‏ وعلت صرخات الاستغاثة وطلب النجدة من السفينة والتقطت طائرات التجسس الأمريكية تسجيلات مفادها‏:‏ نحن نواجه هجوما من طائرات حربية ونطلب المساعدة‏.‏ وسمعت في الوقت عينه طيارا إسرائيليا يقول لرفيقه هائل‏..‏ هائل‏..‏ السفينة تحترق‏.‏ وكان البحارة في وضع ضياع كامل‏,‏ إذ لم يدركوا من كان يهاجمهم‏:‏ السوفييت‏,‏ العرب أم من؟ ووجهت الطائرات الإسرائيلية ضرباتها إلي آليات الاتصال في ليبرتي لقطع نداءات الاستنجاد‏.‏ وعلي الرغم من ذلك فقد سمعت السفينة الأمريكية ساراتوجا نداء استغاثة‏,‏ وبعد ذلك قطعت الاتصالات كليا عن ليبرتي‏.‏ وقال طيار إسرائيلي لآخر بحماس مناحيم‏..‏ هل نرتكب الفعل الفاحش معها؟‏.‏ ويؤكد الكاتب أنه أثناء وقوع مجزرة ليبرتي لم يدرك المهاجمون الإسرائيليون وجود طائرات أمريكية تراقبهم من فوق‏,‏ وأن البحارة في السفينة نفسها لم يعرفوا أيضا حقيقة هذا الأمر‏.‏

وبعد ساعتين علي وقوع الهجوم الجوي علي ليبرتي تبعه هجوم آخر بالرصاص والصواريخ والمدافع من الزوارق الحربية‏,‏ لأن الهدف لم يكن إبعاد السفينة فقط‏,‏ بل تدميرها وإغراقها وقتل بحارتها‏,‏ ولاحظ الشخص الذي يجيد اللغة العبرية في طائرة المراقبة الأمريكية أن الطيارين الإسرائيليين كانوا يبلغون بعضهم بعضا بأنهم رأوا علما أمريكيا‏.‏

وفي الساعة الثانية وسبع وعشرين دقيقة‏,‏ بدأ هجوم بواسطة الطوربيد من الزوارق الإسرائيلية‏.‏ وتزايد عدد القتلي والجرحي وعلت نداءات النجدة‏.‏ ويقول الكاتب إن الإسرائيليين بعدما أجهزوا علي المدنيين والأسري وموظفي الأمم المتحدة في صحراء العريش‏,‏ قرروا ألا يتركوا أي أمريكي حيا ليشهد علي ما رآه وذلك عبر إغراق السفينة ليبرتي وبحارتها‏.‏ وقد تحدث بعض الناجين من العملية‏,‏ وبينهم فيليب تورني للمؤلف‏,‏ مؤكدا أن إطارات النجاة المطاطية التي كانت ترمي من السفينة إلي المياه أطلق الإسرائيليون الرصاص عليها لتعطيلها ومنع الناجين من البحارة الأمريكيين من استعمالها‏.‏ وأضاف‏:‏ كانوا يرغبون بقتل أكبر عدد ممكن منا‏.‏

وقد شاهد الكوماندر ماكجوناجل العلم الإسرائيلي‏,‏ علي أحد الزوارق‏,‏ وتأكد حقيقة الأمر وحاول إغراق السفينة في مكان يستطيع فيه إنقاذ العدد الأكبر من البحارة‏.‏

وأخيرا وصلت رسالة الاستغاثة من ليبرتي إلي الأسطول السادس الموجود جنوب جزيرة كريت‏,‏ وتوجهت أربع طائرات من نوع إيه ـ‏1‏ باتجاه ليبرتي كما فعلت الأمر نفسه أربع طائرات أخري من نوع سكاي هوك إيه ـ‏4‏ من السفينة ساراتوجا وأبلغت ليبرتي في الساعة الثالثة وخمس دقائق أن نجدة من الأسطول السادس آتية باتجاهها‏.‏

وأبلغ والت روستو الرئيس ليندون جونسون بأن ليبرتي هوجمت من دون أن يعلمه الأخير بهوية الذين شنوا الهجوم‏.‏ وقيل لنائب مدير وكالة الأمن القومي تورديللا إن بعض كبار القادة السياسيين في واشنطن لم يرغبوا في كشف هوية المهاجمين ليتجنبوا إحراج إسرائيل‏.‏ حتي إن بعضهم تمني إغراق السفينة كي لا تتمكن الصحافة الأمريكية من تصويرها وإثارة الرأي العام ضد الإسرائيليين‏.‏

ومن هناك فصاعدا تحولت الرواية الرسمية إلي أن ليبرتي قصفت خطأ من جانب القوات الإسرائيلية‏,‏ وأن قوات أرسلت للنجدة وللتحقيق في الأمر‏.‏ وبعد ساعات علي حدوث الهجوم‏,‏ طلبت إسرائيل رسميا من الرئيس جونسون طمس الموضوع وأصدر البنتاجون أمرا بالتعتيم الكامل علي الأمر‏,‏ ولم يسمح لأي كان بالإدلاء بأي معلومات عن الحادث‏,‏ باستثناء حفنة قليلة من السياسيين في واشنطن‏.‏

واستدعي جونسون بعض كبار قادة البحرية والقوات المسلحة لديه في وقت كانت عمليات الإنقاذ مازالت جارية‏,‏ وقال إنه يهمه ألا يغضب حلفاءه‏,‏ ولا يكترث لمصير السفينة‏.‏

وجرف ما تبقي من السفينة إلي الشاطئ‏,‏ وعلي متنه الضحايا الـ‏34,‏ ونقلت الأشرطة السرية من طائرات التجسس الأمريكية إلي وكالة الأمن القومي‏,‏ وجرت محاولات لإعادة ترميم السفينة‏,‏ لم تنجح‏,‏ وفي‏28‏ يونيو‏1968‏ أخرجت من الأسطول الحربي‏.‏ وفي‏28‏ أبريل‏1969,‏ دفعت إسرائيل تعويضا قدره‏20‏ ألف دولار أمريكي لكل من الجرحي الأمريكيين الذين أصيبوا علي ليبرتي‏.‏ وكانت قد دفعت‏100‏ ألف دولار إلي كل عائلة من عائلات الضحايا‏.‏ ونالت البحرية الأمريكية‏7‏ ملايين دولار من إسرائيل ثمنا لتحطيم السفينة‏.‏

وعلي الرغم من هذه المبالغ الزهيدة‏,‏ فقد اعترضت إسرائيل عليها وخفضتها إلي‏6‏ ملايين دولار‏.‏ ولم يحاكم أحد‏,‏ لا علي مجازر العريش ولا علي مجزرة ليبرتي‏,‏ ومن هناك وفيما بعد اختلقت الحكومة الإسرائيلية شتي الأعذار للحادث‏,‏ ولكن الأدلة موجودة بحوزة وكالة الأمن القومي‏,‏ وقد أخفت بذلك إدارة الرئيس ليندون جونسون جريمة إسرائيلية ذهب ضحيتها‏34‏ بحارا أمريكيا وجرح علي أثرها‏171‏ جنديا أثناء قيامهم بخدمة بلدهم‏.‏

وقال الميجور جنرال جون مويسون الذي كان قائدا لعمليات وكالة الأمن القومي لمؤلف الكتاب لا أحد يصدق التفسيرات الإسرائيلية وبأن الأمر كان خطأ‏,‏ ولدي إبلاغه عن المذابح التي كانت ترتكب في العريش عندما أغرقت ليبرتي قال هذا وحده يكفي ليفسر خوفهم من السفينة ورغبتهم في تدميرنا وتدمير آليات اتصالنا‏.‏

ويجمع كل البحارة الذين كانوا علي متن ليبرتي علي أن الهجوم لم يكن خطأ‏,‏ وأن الإسرائيليين مرروا جريمة ارتكبت بدم بارد ضد أمريكيين يخدمون بلادهم في‏8‏ يونيو‏1967.‏

وقال فيليب تورني رئيس جمعية بحارة ليبرتي للمؤلف‏:‏ إن قادتنا يخشون مواجهة اللوبي الإسرائيلي القوي‏,‏ ويجب إجراء تحقيق شامل في هذا الموضوع‏.‏

وقبل وفاة الكوماندر ماكجوناكل بالسرطان في عام‏1998,‏ قال‏:‏ الآن أستطيع القول إن الهجوم كان متعمدا‏,‏ وإن التحقيق لم يكن كافيا‏,‏ وإن العلم الأمريكي كان يرفرف علي السفينة‏.‏ ومات بعد ذلك بأربعة أشهر‏.‏ وحتي بعض القادة السياسيين الأمريكيين يؤكدون الآن أنهم صمتوا لأن الأوامر صدرت إليهم بالصمت‏.‏ ولم يكترث الكونجرس الأمريكي حتي لبحث الموضوع‏,‏ مع أنه كان غلطة أو جريمة‏,‏ وعلي الرغم من مطالبة الأدميرال توماس مورر‏(‏ رئيس القوات المسلحة الأمريكية المشتركة‏)‏ بذلك‏.‏

ولعل الوقت قد حان لمعاودة طرح الموضوع‏,‏ حسب ما يقول المؤلف‏,‏ ومنذ الهجوم الإسرائيلي علي ليبرتي قدم دافعو الضرائب الأمريكيون ما يوازي‏100‏ مليار دولار لمساعدة إسرائيل‏.‏ وعلي هذه الوكالة‏,‏ حسب المؤلف‏,‏ توفير كل الأشرطة التي سجلتها طائرة‏(‏ إيه سي‏121)‏ أو أي مصدر آخر يوم‏8‏ يونيو‏1967.‏ وقد مر أكثر من ثلاثة عقود من الزمن علي مكتب رقم جي‏643,‏ ويقول بامفورد إنه حان وقت وجود هذه الأشرطة في أحد أدراج وكالة الأمن القومي لتجاوز مرحلة السرية بشأن ليبرتي في الولايات المتحدة أو إسرائيل‏,‏ وحان وقت التحقيق الجدي‏.‏

السؤال‏:‏ إذا كان الباحث بامفورد قد حصل علي وثائق أو اطلع عليها‏..‏ هل يمكن أن نطالب بالحصول أو مجرد الاطلاع علي وثائق ضرب ليبرتي لنكون صورة عما حدث في العريش‏..‏ ربما؟‏!‏

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “كتاب كتلة الأسرار‏….الوصلة الأمريكية في قضية مذبحة العريش”

  1. تحياتي

    شكرا لكم على حسن تتبعكم ..

    دمتم و دامت كلماتكم

    توقيع نوري



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

p align=< "center">

>