مدخرات الغلابة في البنوك تبحث عن طلعت حرب
كتبهاmohamed gazaz ، في 8 يونيو 2007 الساعة: 17:00 م
مدخرات الغلابة في البنوك تبحث عن طلعت حرب
http://www.almasry-alyoum.com
بقلم صبرى غنيم ٧/٦/٢٠٠٧
إذا كنا نتحدث عن رموز مصر.. فهذه هي صورة من صور الوفاء لمصريين أعطوا هذا الوطن فكانوا صوراً مضيئة في مختلف العلوم.. منهم من أثري بعطائه في الطب، ومنهم من كان نجماً في اقتصاد هذا البلد، ولو اخترنا رمزاً واحداً من هذه الرموز لاخترنا الاقتصادي الكبير طلعت حرب، والذي كان معروفاً في عصره باسم زعيم الغلابة بعد إنشائه أول بنك مصري في عام ١٩٢٠ في ظروف قاسية، حيث كان اقتصادنا تحت السيطرة الأجنبية.
طلعت حرب شخصية نادرة لن تتكرر، ومع أنه مصري، فيبدو أنه كان الوليد الوحيد الذي يتمتع بهذه العقلية الاقتصادية في إدارة البنوك.. ومن بعده أصبحت بنوكنا المصرية تبحث عن شخصية مثل شخصية هذا الوطني، هذا الكلام ليس كلامي، ولكن كلام جميع الاقتصاديين في مصر..
وبالذات رجال البنوك وعلي رأسهم العمدة الدكتور فاروق العقدة محافظ البنك المركزي، فقد سألته يوماً عن سبب إحجام البنوك عن استثمار مدخرات المودعين في برنامج الخصخصة باعتبارها الأحق في شراء الأصول المصرية من شركات ومصانع عن بيعها للأجانب.
قال لي الرجل: «لأن بنوكنا المصرية ليست فيها شخصية طلعت حرب الذي عرفته مصر بكفاءته في إدارة الاقتصاد المصرفي»..هذا الاعتراف هو شهادة في حق رمز من رموز مصر، فقد كان طلعت حرب أول اقتصادي مصري، يخرج علينا بتأسيس بنك مصر برأس مال لم يزد وقتها علي ١٨٠ ألف جنيه، واستطاع هذا الوطني العظيم أن يقود كتيبة من العاملين معه في هذا البنك ليزيد من رأس مال البنك إلي مليون جنيه بعد ١٢ سنة من تأسيسه،
حيث انطلقت منه مجموعة من الشركات المصرية منها شركة مصر للسياحة وشركة مصر لصناعة الغزل والنسيج بالمحلة واستديو مصر، والذي كان بداية لصناعة السينما في مصر.
طلعت حرب حكايته حكاية، فهو رمز من الرموز التي ستظل في وجداننا، رغم أن بعض العباقرة الذين يزعمون أنهم حماة الاقتصاد الوطني، فشلوا في أن يستنسخوا نماذج من هذا الرجل، وقد كان في وسعهم أن يكون هناك مئات من طلعت حرب.. بنفس فكره ونفس أسلوبه، لكن للأسف مات طلعت حرب، وماتت معه جرأته وعقليته وقوته حتي أفكاره ماتت معه..
وأصبحت بنوكنا تشكو ضعف الإدارة. وهنا يحضرني سؤال.. هل هناك رئيس بنك بين البنوك الحالية يبدأ عمله في السادسة صباحاً ويعمل ١٥ ساعة يومياً كما كان يعمل طلعت حرب؟! وهل هناك عقلية تملك الجرأة في القرار لتستثمر أموال الغلابة في المشروعات الكبيرة التي تحقق عائداً للبنك،
كما كان يفعل طلعت حرب؟! إن المأساة التي تتعرض لها بنوكنا الآن هي في المدخرات التي أصبحت البنوك تشكو من تخمتها، فقد بلغت قيمة الودائع في البنوك المصرية ٩٨ مليار دولار أي ما يقرب من ٥٦٤ مليار جنيه،
وهذه الأرقام تضع البنوك في مأزق بسبب تضخم السيولة وعدم توظيفها في وقت ينخفض فيه الإقبال علي الاقتراض من البنوك، وربما تكون الإجراءات الأخيرة وحالة الخوف التي تسيطر علي رؤساء البنوك هي التي دفعت المقترضين إلي الهروب من الاقتراض.
إن هناك فرقاً بين عصر طلعت حرب.. والعصر الرديء الذي نعيشه الآن.. فنحن نعرف أن الوديعة البنكية تمثل لمعظم الأسر المصرية مصدر دخل رئيسياً تعتمد عليه الأسرة في تصريف حياتها المعيشية، وفي عصر طلعت حرب كان الناس يرتمون في أحضان البنوك لاستثمار أموالهم في المشاريع الكبيرة، والتي كانت تدر عائداً مجزياً يغطي جميع المصاريف ومستلزمات أولادهم.. وكان طلعت حرب يهتم بإقامة المصانع والشركات لتشغيل الأيدي العاملة، وبالتالي لم يشهد عصره طابوراً من البطالة كما هو الآن.
ولو أن البنوك المصرية عملت بعقلية هذا الاقتصادي الذي افتقدناه، ما كان هذا هو حالنا الآن، فهي أكثر حظاً لأنها تعيش فترة من الزمن لم تشهدها البنوك في عصر طلعت حرب.. هل أحد يصدق أن السيولة في البنوك علي أيامه كانت تحسب بالمليون، وعلي أيامنا وفي عصرنا الهباب تحسب بالمليار.
فلو كان طلعت حرب حياً، ما خرجت من تحت يديه مصانع الغزل والنسيج التي بعناها للهنود، ولا مصانع الأسمنت التي بعناها للطلاينة، ولا أراضي المجتمعات الجديدة التي بعناها للخليجيين.. الحكومة تعترف أنها فشلت في إدارتها والسبب أنها أتت بأهل الثقة بعد أن انقرض أهل الخبرة، والثقة وحدها لا تكفي حتي ولو كانت في اختيار ضابط علي المعاش،
فهو لا يفهم في الإدارة وليس لديه الخبرة التسويقية، وهذه هي المصيبة التي أدت إلي انهيار الإدارة وخسارة العشرات من المصانع والشركات حتي أصبحت متعثرة، فكانت لقمة طرية بين أنياب الحكومة للتخلص منها بالبحث عن مستثمر أجنبي.
وكلمة حق، القوات المسلحة المصرية أعدت الآن كتيبة من أبنائها الذين درسوا علم الإدارة، وتمرسوا علي إدارة المنشآت والمرافق المدنية، وقد رأينا المصانع الحربية والمستشفيات العسكرية وجميع المشاريع المدنية تحقق نجاحاً بفضل التدريب الواعي بين القيادات التي تدير هذه المرافق، ولا أعرف لماذا لا تستفيد الحكومة من هذه القيادات التي تعلمت الإدارة بأسلوب حديث في المدرسة العسكرية.
علي أي حال.. إذا كانت بنوكنا تبحث عن شخصية طلعت حرب، فلتعمل بمنهج هذا الرجل.. وتعيد فتح مدارسه لتعليم الاقتصاد الحر للأجيال القادمة، حتي نضمن أجيالاً تعمل بعقلية المواطن المصري الأصيل، علي الأقل لا نبيع أصولنا للأجانب، ومهما كان العائد منها فهو بتراب الفلوس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات رائعة | السمات:مقالات رائعة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























