الوصلة الأمريكية في قضية مذبحة العريش
كتاب كتلة الأسرار.. وثيقة مهمة لملاحقة الجناة
جيمس بامفورد
وننقل من كتلة الأسرار اليوم ـ الذي عرضته عدة صحف عربية وظهرت ترجمات كاملة له ـ ما يشير بالدليل إلي أن هناك عملية تغطية واسعة النطاق علي الجريمتين الأولي قتل الجنود المصريين, والثانية قصف البارجة ليبرتي الأمريكية التي كانت موجودة علي بعد20 كيلومترا من ميناء العريش في الثامن من يونيو عام1967.
تمكن الخبير بامفورد من الوصول إلي معلومات بالغة الأهمية من وكالة الأمن القوميNSA وحصل علي وثائق حساسة يقال إن الكثير منها ربما مازال في طي الكتمان حتي اليوم عن طبيعة عمل الوكالة التي توصف بأنها مستودع الأسرار.. أهمية الكتاب في تعرية جوانب خفية عن إدارة عمليات من وراء الستار وبعيدا تماما عما يقال للرأي العام الأمريكي.. كانت الوكالة تستخدم الطرق التقليدية في جمع المعلومات مثل طائرات التجسس والجواسيس الأفراد وسفن التجسس والأخيرة هي مربط الفرس في الانتقال إلي الحديث عن العلاقة بين قضية مذبحة الأسري المصريين علي يد القوات الإسرائيلية في العريش واستهداف السفينة أو البارجة الأمريكية ليبرتي في8 يونيو1967.
يؤكد الكتاب أن السبب الحقيقي لإقدام إسرائيل علي مهاجمة البارجة التي كانت ترفع العلم الأمريكي وتعمل تحت مسمي يدخل في نطاق ممارسة أنشطة بحثية, وهو أسلوب تتبعه وكالة الأمن القومي الأمريكي للتغطية علي حقيقة المهام التي تقوم بها قطع التجسس البحرية, ومحاولة تصفية أكثر من180 ضابطا وجنديا من طاقمها, هو التقاط ليبرتي تسجيلات صوتية واضحة عن قيام القوات الإسرائيلية بارتكاب عملية إبادة جماعية بحق جنود مصريين سلموا أنفسهم وتخلوا عن أسلحتهم بعد أن داهمتهم القوات المعتدية في معارك سيناء.
يقول الكتاب إن إسرائيل راقبت السفينة الأمريكية لمدة ساعات قبل أن تنقض النيران الإسرائيلية عليها وتقتل34 أمريكيا وتصيب العشرات وتغرق جميع قوارب النجاة, وفي الوقت الذي أقرت إسرائيل فيما بعد بالخطأ الكبير, فإن الولايات المتحدة تراجعت عن التحقيق الرسمي في الأمر.
ويبني بامفورد قضيته علي أساس أن الإسرائيليين كانوا علي دراية تامة بأنهم يهاجمون سفينة تجسس أمريكية, والهجوم كان الهدف منه طمس الأدلة التي جمعتها السفينة عن الفظائع والمذابح التي يجري ارتكابها علي أرض سيناء علي بعد20 كيلو متر من السفينة وتحديدا في مدينة العريش, حيث كان الجيش الإسرائيلي يقوم بتصفية المئات من الجنود والمدنيين المصريين المقيدين والعزل.. ويقول المؤلف إن البنتاجون فرض حظرا كاملا علي أنباء الهجوم وهدد أيا من طاقم السفينة الأحياء بالعقاب لو تحدثوا في الأمر, ويشير إلي أن الرئيس جونسون أعرب عن عدم اكتراثه, ويقول: لم يكترث بغرق السفينة من عدمه.. لم يكن لدية نية لإحراج حلفائه.
قدم الخبير الشهير شهادات حية للناخبين من الكارثة تؤكد أن إسرائيل هاجمت ليبرتي عن عمد, وأن الحادث لم يقع بطريق الخطأ.
وننقل اليوم عن مجلة المشاهد السياسي ترجمة دقيقة, مع بعض التصرف, سبق أن نشرتها في عام2001 للجزء الخاص بالسفينة ليبرتي وحقيقة مذابح العريش التي أكدها الفيلم الوثائقي للتليفزيون الإسرائيلي قبل أيام:
خفف الكوماندر وليام ماكجوناكل سرعة البارجة البحرية ليبرتي قبل دخولها إلي قناة السويس في أواخر شهر مايو1967 في خضم أجواء إعلامية تتحدث عن إمكانية نشوب حرب في الشرق الأوسط بين إسرائيل والدول العربية, خصوصا مصر بقيادة الرئيس جمال عبدالناصر. وكانت مصر قد طردت قوات السلام التابعة للأمم المتحدة من أراضيها, وحشدت إسرائيل دباباتها علي الحدود المصرية ـ الإسرائيلية في صحراء سيناء, فيما أعلنت مصر التعبئة العامة. وأغلق الرئيس عبدالناصر مضيق تيران, وبالتالي خليج العقبة مانعا السفن الإسرائيلية من المرور والوصول إلي ميناء إيلات الإسرائيلي. واعتبر الإسرائيليون هذه الخطوات اعتداء وعمل عنف ضد دولتهم.
ورغبت وكالة الأمن القومي الأمريكية بجمع المعلومات عن الموضوع عبر أجهزتها التكنولوجية المتطورة, ولعل هذا السبب دفعها إلي إرسال السفينة ليبرتي إلي قناة السويس مع العلم أن إسرائيل كانت تدعي أن مصر ستشن هجوما عليها.
كتاب كتلة من الأسرار لمؤلفه جيمس بامفورد أكد أن إسرائيل هي التي كانت تحضر لمثل هذا الهجوم, واستند إلي قول لرئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجين في عام1982. ويعتبر بامفورد أن الولايات المتحدة كادت ترتكب خطأ كبيرا لو أطلقت نيرانها علي مصر والدول العربية, ظنا منها أن النار قد أطلقت علي السفينة ليبرتي من الجهة العربية, وكان الاتحاد السوفيتي سيضطر إلي الرد علي هذه النيران, مما كان سيؤدي إلي اشتباك ميداني أمريكي ـ سوفيتي.
ورغب الأمريكيون في معرفة عدد أفراد القوات الحربية السوفيتية علي الأرض المصرية ونوعية الأسلحة التي كانت بحوزتهم, واعتبرت المراقبة عبر السفينة ليبرتي الوسيلة الأفضل لجمع مثل هذه المعلومات. وفي5 يونيو1967( في الساعة السابعة وخمس وأربعين دقيقة صباحا) شنت إسرائيل هجومها الجوي علي المطارات المصرية ودمرت خلال80 دقيقة الجزء الأكبر من سلاح الجو المصري, وتحركت أيضا ميدانيا بحيث حركت دباباتها من صحراء سيناء باتجاه قناة السويس. وشوشت الحقيقة إعلاميا بقولها إن مصر هي التي شنت الهجوم علي إسرائيل, وإن الأخيرة كانت تدافع عن نفسها. وأبلغ والت روستو, مستشار الأمن القومي الأمريكي, النبأ مشوشا علي غير حقيقته, وطبعا أبلغه الرئيس ليندون جونسون كما سمعه.
وتلقي جونسون رسالة من رئيس الوزراء السوفيتي اليكسي كوسيجين تشير إلي أن واجب كل الدول العظمي وقف الحرب وطالبه بممارسة ضغط علي إسرائيل لوقف هجومها, واتصل كوسيجين هاتفيا بالرئيس جونسون بشأن الموضوع نفسه, وقال الأخير إن الولايات المتحدة لا ترغب في التدخل في الأزمة.
وكانت طائرة تجسس أمريكية من نوع( سي130) تحلق عاليا في أجواء شرق البحر المتوسط وتحاول جمع المعلومات عن الوضع الميداني لوكالة الأمن القومي, وتحط في مطار أثينا حاملة تفاصيل الساعات الأولي للحرب.. ونقلت الأشرطة المصورة من الطائرة إلي مكان تظهير الأفلام التابع لوكالة الأمن القومي المسمي( يو إس إيه120 جي).. ودعي اختصاصيون في الترجمة من العبرية لإعطاء صورة كاملة عن فحوي الأشرطة الكلامي, خصوصا أن معظمه كان بالعبرية.
وانطلقت فيما بعد طائرة تجسس أخري من نوع( إيه سي121) غطت عمليات المراقبة فيها شواطئ قناة السويس المحاذية لإسرائيل ومصر. وكانت تحلق علي ارتفاع12 ألفا إلي18 ألف قدم. وضم طاقم الملاحين علي هذه الطائرة الضابط البحري مارفن نويكي الذي كان ضليعا في اللغتين العبرية والروسية, بالإضافة إلي لغته الإنجليزية.
وقد تحدث هذا الضابط إلي مؤلف الكتاب بامفورد, وأكد له خطورة المهمة في تلك الليلة, إذ كان يمكن لأي من الجانبين إسقاط الطائرة لو ظهرت علي الرادار. وكان بإمكان الطائرة الأمريكية التقاط المحادثات بين الطيارين الإسرائيليين خلال قيادتهم لطائراتهم. والأمر نفسه انطبق علي محادثات الطيارين المصريين. ومن وقت لآخر كانت طائرة الـ( إيه سي121) تأتي لتدعم طائرة الـ( سي130). وتخفف الضغط عنها. وفي المياه, كانت السفينة ليبرتي تكمل جولتها البحرية باتجاه المناطق الساخنة. وبما أنها كانت تقوم بمهمة تجسسية فقد سمحت لها قيادتها الأمريكية بالاقتراب من الشواطئ خلافا لكل السفن الأمريكية الأخري التي كانت تجول في المنطقة( لبنان, سوريا, إسرائيل ومصر). كما توجهت20 سفينة حربية سوفيتية ونحو تسع غواصات إلي المنطقة. وعندما اقتربت ليبرتي لتصبح علي بعد12 ميلا فقط من صحراء سيناء, قلق بعض المسئولين في وكالة الأمن القومي وطالبوا بانسحابها فورا. وكان الخطر عليها آتيا من الجهتين المصرية والإسرائيلية, إذ أن المصريين اعتقدوا أنها تساعد الإسرائيليين, بينما أدرك الإسرائيليون مهمتها التجسسية وتأثيرها السلبي علي
خططهم. وابتعدت ليبرتي لتصبح علي بعد20 ميلا من الشاطئ. في صباح الثامن من يونيو, وبعد أن فشلت قيادة الأمن القومي الأمريكي في إيصال إنذاراتها إلي ليبرتي مرت ليبرتي علي مقربة من مدينة العريش الصحراوية المصرية في ظل مراقبة من الطائرات الحربية الإسرائيلية لها.
وقال مراقب إسرائيلي في إحدي هذه الطائرات: إن باستطاعتنا قراءة الحروب المكتوبة علي السفينة, وهي جي تي ار ـ5 وهو غطاء يستعمل لسفن التجسس التابعة لوكالة الأمن القومي الأمريكية. وبعد تجاوزها مدينة العريش, توجهت ليبرتي نحو قطاع غزة. وفي الثامنة والنصف صباحا, ارتدت فجأة إلي الوراء بعد انعطافها لـ180 درجة, وبعدها تأكدت من بلوغها هدفها. واتصل الكوماندر ماكجوناكل بمسئول وكالة الأمن القومي سائلا عن إمكان المكوث بعيدا عن الشاطئ, فقال له الأخير إن ذلك يؤثر سلبا علي التقاط المعلومات. وفي ذلك الحين كانت الطائرات الحربية الإسرائيلية تحوم حول السفينة, وكانت الطائرات الأمريكية التجسسية تراقبها من فوق.
وفجأة دخلت ليبرتي إلي منطقة قريبة من منارة العريش, حيث كانت ترتكب فيها القوات الإسرائيلية مذبحة, ففضلا عن ضربها الطائرات والمطارات, كانت دباباتها تمعن في قتل المشاة المصريين المستسلمين. وقد قتل ما يوازي10 آلاف مصري في مقابل275 إسرائيليا. كما ذبحت القوات الإسرائيلية عسكريين هنديين( اثنين) تابعين لقوات الأمم المتحدة وقتلت عسكريين هنودا آخرين أتوا لنجدتهم. ثم حطمت الشاحنة التي كانت تقلهم وقتلت معظم ركابها.
ولدي مرور ليبرتي في منطقة العريش كان الإسرائيليون يرتكبون هذه المجازر ضد المعتقلين العسكريين المصريين, فقد وجدوا صعوبة في احتجازهم في سجون, فاختاروا الطريقة الأسهل وقتلوهم كمجموعات بعد جمعهم حول مسجد العريش وأرغموا رفاقهم علي دفنهم. وقد أبلغ أحد الذين قاموا بعملية الدفن( يدعي عبدالسلام موسي) حقيقة هذا الأمر للمؤلف.
وأكد الصحفي الإسرائيلي جابي برون أنه رأي150 أسيرا مصريا يقتلون وهم يضعون أيدهم وراء رءوسهم في منطقة العريش يوم8 يونيو1967, كما أشار المؤرخ الإسرائيلي أرييه يتزحاكي إلي أن عددا من الجنود الإسرائيليين أبلغوه بأنهم ارتكبوا مثل هذه الجرائم في صحراء سيناء ومنطقة العريش.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي أرييل شارون موجو

































